مصطفى صادق الرافعي

50

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

ثم أشار أفصح العرب صلّى اللّه عليه وسلم بظهر كل حرف وبطنه وحدّه ومطلع كل حدّ ، إلى حقيقة هذا الإعجاز ، فإن ظاهر القرآن على أي لغة قرئ بها من لغات العرب إنما هو ظاهر تلك اللغة بعينها ، ولكن باطنه صورة السماء في الماء ، ومسميات إلهية لا تنال وإن نيلت الأسماء ، ثم إن لكل لغة في امتزاجها بالقرآن حدّا يقف عنده أهلها ، وهو الحد الذي تبتدئ منه الجنسية اللغوية ، ولكل حد من هذه الحدود مطلع يصدر منه إلى مرتقى هذه الجنسية التي كان القرآن أخص مقوماتها ، وذلك في جملته إنما هو الإعجاز كلّه ، والهدى كلّه ، والكمال كلّه . ولسنا ننكر أن هذا التأويل قد يكون بعيدا بدقائقه عن متناول أذهان العرب ، ولا أن فيه شيئا من الكدّ ، ولكنه على كل حال قريب ممن ورثوا العرب في لغتهم وقصروا عنهم في فهم حقائق الإعجاز بتقصير الفطرة فيهم ، ثم لا بد أن يكون العرب قد فهموا الحديث على نحو مما يؤديه تفسيرنا الذي ذهبنا إليه ، إذ لا يعرفون من الحرف وظهره وبطنه ؛ والحدّ والمطلع غير الصفات التي تتعلق باللغة ، ولأمر ما كان كلام النبوة خالدا كأنه قيل في كل عصر لأهله وقبيله . وكأن هذا الزمان إنما هو شاهد يجيء بالبينة على صحة تأويله . ولو أن هذا الحديث قد جاء تأويله نص على النبي صلّى اللّه عليه وسلم يعين المراد منه ، لما اختلفت أقوال العلماء فيه ، وما داموا قد اختلفوا فدعنا نختلف معهم ونأخذ بالأشبه والأمثل مما يوافق القرآن نفسه ، وقد أنزله اللّه الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم : فإن ذهبت مذهبنا ؛ وإلا فخذ مما أحببت أو دع ! . مفردات القرآن وفي القرآن ألفاظ اصطلح العلماء على تسميتها بالغرائب ، وليس المراد بغرابتها أنها منكرة أو نافرة أو شاذة ، فإن القرآن منزه عن هذا جميعه ، وإنما اللفظة الغريبة هاهنا هي التي تكون حسنة مستغربة في التأويل ؛ بحيث لا يتساوى في العلم بها أهلها وسائر الناس . وجملة ما عدّوه من ذلك في القرآن كله : سبعمائة لفظة أو تزيد قليلا ؛ جميعها روي تفسيره بالسند الصحيح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما وهو ذلك المعجم اللغوي الحي الذي كانوا يرجعون إليه ، كان رحمه اللّه يقول : الشعر ديوان العرب ، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله اللّه بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه . ولقد كان رضي اللّه عنه يجلس بفناء الكعبة ثم يكتنفه الناس يسألونه عن التفسير وثبته من كلام العرب ، وأسئلة نافع بن الأزرق التي ألقاها عليه وأومأنا إليها في باب